خطيب الأحساء الشيخ عبدالله آل مبارك رحمه الله

علماء عرفتهم طباعة طباعة لا تعليقات
علماء رأيتهم وعرفتهم
خطيب الأحساء
الشيخ عبدالله آل مبارك رحمه الله
 
          الشيخ الواعظ الأديب سحبان وائل في فصاحته وإبانته وابن الجوزي في رقته وزهدياته ورقائقه إنه الشيخ عبدالله بن الشيخ عبداللطيف آل مبارك رحمه الله ولد في عام 1320هـ وتربى على والده وعلى علماء أسرته وعلى غيرهم من العلماء.
          شيخنا فارع الطول ضخم الجثة إذا جلس فكأنه راكب متكامل الخلقة وجهه أبيض مشرئب بالحمرة في وجهه جمال يفوق أي جمال له لحية يخضبها بالسواد جماله في أنفه وفي عينيه وفي فيه وفي جبينه فكأنما أعطي جمال يوسف عليه السلام هذا مع جمال الباطن فالشيخ مبتسم دائماً.
          يلبس البياض الناصع ثوبه وغترته ((ملحفته)) وعبائته ((بشته)) كلها بياض في بياض يغير لباسه كل يوم أناقته لا توصف فصاحته لا تعدلها فصاحة فيه تواضع جم لا يسبق بالسلام حتى أنه إذا سمع حركة في منعطف من الطريق قال بصوته الجهوري السلام عليكم وربما كان المسلم عليه بهيمة هذا كله من حرصه ألاَّ يسبقه أحد بالسلام شاعر لا يجارى ولا يبارى كريم بمعنى الكرم سليم الصدر لا يحقد ولا يكره أحداً بل يحب الجميع يصل الرحم ويشارك في الأفراح والأحزان يهنئ في الفرح ويقف مع أهل الجنائز يصبرهم ويعظهم ويعزيهم بل ويشرف على تغسيل وتكفين ميتهم يكره البدع ويحذر منها.
          خلف والده في الإمامة والخطابة في جامع الإمام فيصل بن تركي آل سعود ويعد أكبر جامع في الأحساء بل عده المؤرخون أكبر جامع في شرقي الجزيرة العربية.
هذا الجامع أشاده وأوقف عليه المزارع والنخل الكثير الإمام فيصل بن تركي رحمه الله وحبسه على هذه الأسرة لا ينازعهم فيه أحد وكان ذلك بمشورة ورأي الشيخ الفقيه المحدث الشيخ الإمام عبداللطيف بن الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ النجدي الحنبلي الأزهري وقد أثنى على علم هذا وسعة أفقه السيد رشيد رضا في فتاويه وقال بأنه لم يظهر في نجد من هو في مستواه العلمي فهذا الشيخ درس واتقن وأجيز من فحول علماء الأزهر وهو الذي أشار إلى الإمام فيصل ببناء الجامع وتحبيسه على هذه الأسرة ابتداء من جدهم الشيخ عبداللطيف بن الشيخ مبارك رحمهم الله.
          أقول أمَّ الشيخ عبدالله بالجامع خلفاً لوالده وكان الناس يزدحمون على الصلاة خلفه من كل الأحياء والجامع يقع في حي النعاثل فكان يخطب خطباً هو الذي يؤلفها ولقد كان من أعرف الناس بالواقع وما يحتاجه الناس وكان مقنعاً في خطبه ويسمع من مسافة بعيده قبل دخول الكهرباء وقبل إدخال المكبرات الصوتية وله في كل يوم جمعة درس يستغرق أكثر من ساعة وذلك بعد صلاة العصر فيجلس على كرسي وهو يحفظ كتاب رياض الصالحين للنووي وكتاب الترغيب والترهيب للمنذري وكل كتب ابن الجوزي فمرة يتحدث ارتجالاً ومرة يقرأ في الكتاب أو يقرأ ابنه الشيخ محمد ثم يأخذ الشيخ في الشرح ولكنه لا يترك شاردة ولا واردة بل هو خطيب يعرف فقه الواقع إن صح التعبير وكان من حديثه وهو يخاطب الفقراء ويقول لهم ليس الفقر حجة في أنك تأتي إلى المسجد في ثوب مرقع وقبيح الرائحة لا بل علبة صابون تكفيك أسبوعين تغسل الثوب في الظهر وتلبسه في العصر وتخرج نظيفاً.
          والشيخ رحمه الله مأذون أنكحة وكان الناس يفرحون به ليعقد أنكحتهم وكذلك عادة غالب الناس وخاصة في حي النعاثل أنَّ الشيخ رحمه الله يمسك بيد الزوج ووالدي يمسك باليد الثانية رحمهم اللهم وهم يزفون الزوج إلى زوجته مشياً على الأقدام.
          والشيخ رحمه الله كريم حيث أنه لا يملك بيتاً بل يستأجر وآخر شيء أنه استأجر بيتاً مجاوراً للجامع وقفاً استأجره مدة من الزمن رحمه الله وكان الشيخ معروفاً لدى أهل الخليج وأهل نجد والحجاز مقبول الحديث مقبول الكلمة وكان سماحة شيخ مشايخنا مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله المتوفى عام 1389 هـ كان يحبه ويقبل مساعيه وشفاعته الطيبة وإنَّ من مساعيه الطيبة أنَّ المعهد العلمي لم يقرر له من الطلاب المستجدين إلاَّ خمسون طالباً فلمَّا أخبره مدير المعهد آنذاك الشيخ عبدالله الفنتوخ فما كان منه إلاَّ أن ذهب إلى الرياض وقابل سماحة الشيخ محمد وأخبره فلبى سماحته شفاعته وأمر بقبول العدد المطلوب الشفاعة فيه.
          الشيخ رحمه الله مقبول لدى الخاص والعام لتواضعه وصدق معاملته مع الله ثم مع خلق الله وكان الجامع آنذاك أرضية ترابية ويحتاج إلى عمال كثيرين لكنسه وتنظيفه فلما علم المؤذن قال للشيخ سوف أتكفل بمجموعة من الشباب لتنظيف الجامع في أقل من ساعة ولكنهم ما يبغون أجرة إنما يبغون الاستحمام في عين أم سبعة وكانت حينذاك أنهاراً سبعة تجري على وجه الأرض ماء ساخناً وفعلاً لما انتهى تنظيف الجامع وإذا بالشيخ يقلهم في سيارتين وهو معهم إلى عين أم سبعة واستحم الشيخ معهم وعادوا وكلهم فرح وسرور بهذه الفرصة وبتواضع الشيخ.
          مرض رحمه الله مرضاً منعه من الصيام وكان ابنه الشيخ محمد رحمه الله في مصر للعلاج فلما دخل رمضان أعلمني برغبته بأن أصلي عنه التراويح وفعلاً تقدمت وصليت التراويح فلما لم يبق إلاَّ الوتر هزَّ كتفي قائلاً اقنت فامتثلت وقنت وفي هذا دلالة على سعة أفق الشيخ من أجل تأليف القلوب والشيخ مالكي لا يقنت إلا في الركعة الثانية في صلاة الفجر وقبل الركوع سراً والشيخ دائما وأبداً في جانبه في المجلس كتاب مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى مرجع حنبلي كبير.
          أقول صليت وكان الشيخ يصلي خلفي ثم إني أردت الذهاب إلى مكة وذلك في عام 1393 هـ فطلب مني ترشيح من أراه فاتصلت بالأخ الشيخ إبراهيم أبوجليع الأستاذ في المعهد العلمي وفعلاً جزاه الله خيراً استمر عدة رمضانات يصلي بهم وذلك لأني انتقلت إلى الرياض حيث توظفت هناك بعد التخرج.
          لما تولى الملك فيصل بن عبدالعزيز الحكم في المملكة زار الأحساء ثم ذهب إلى جامع جده الإمام فيصل بن تركي بصحبة الشيخ عبدالله رحمهم الله وكان يوماً مشهوداً حيث سار الملك فيصل من جامع جده ثم إلى بيت الشيخ عبدالله مشياً على الأقدام.
          ولقد كان رحمه الله يتصدر الوفود التي تذهب إلى العاصمة لمقابلة الملوك آنذاك وكان هو خطيب الوفد حيث يتقدم بالمطالبة من أجل الإصلاحات ولقد كان مقبولاً لدى الخاص والعام.
          توفي شيخنا رحمه الله عام 1394 هـ بكاه الناس وبكته المنابر.
         
كتبه خادم أهل العلم

محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل

* نشر في جريدة الجزيرة الأحد 22 رجب 1431   العدد  13793
Sunday  04/07/2010 G Issue 13793
http://www.al-jazirah.com/20100704/rj8d.htm

Bookmark and Share

القاضي العادل الشيخ عبدالرحمن آل عمير

علماء عرفتهم طباعة طباعة لا تعليقات
علماء عرفتهم
القاضي العادل

عبدالرحمن آل عمير

 

          الحديث عن شيخي وأنا متهم فيه لأنَّ الحب يعمي ويصم أو كما قالوا: وعين الرضا،ولكنها الأمانة شاهد عليها كل من تعامل مع هذا الرجل،ولا نقول والعود في أرضه نوع من الحطب لا بل إنَّ الله سوف يسألنا لأننا شهداء الله في أرضه.
          شيخنا الشيخ عبدالرحمن بن الشيخ عبدالله آل عمير رحمه الله شخصيات في شخصية لا يمله جليسه تتحول الساعات معه وكأنها لحظات رجل لا يهتم بشكله أو لباسه فهو مقتنع بأنَّ البذاذة من الإيمان فالعبرة بالجوهر لا بالمظهر فكم خدعنا بأشكال وهيئات.
سيما شيخنا التواضع ولكن في غير مذلة قالوا وكان أبوه كذلك قمة في التواضع والتودد للناس شيخنا يألف الناس ويألفونه والمؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ويؤلف. سمح حسن العشرة وهكذا كان صلى الله عليه وسلم.
          ولد شيخنا في شرقي حي النعاثل قرب شارع السويق عام 1339هـ ونشأ في بيئة علمية فأبوه وجده كلهم قضاة ومحل ثقة من الحكام ومن الناس فنشأ في بيئة علمية فأعمامه وإخوانه كلهم علماء فعاش في مجتمع يعتني بالعلوم الشرعية والعلوم اللسانية فأسرته لها عناية باللغة العربية فهم علماء فقهاء وأدباء وشعراء وهم أسرة شافعية المذهب ولكن الحي الذي نشأ فيه مالكية وفيهم حنابلة يجمعهم الحي والمسجد فكان شيخنا صاحب ذكاء وقاد قال الشعر في سن مبكرة درَّس في المعهد العلمي وبعد ذلك كلف بقضاء الجبيل عام 1377هـ ثم قدم خطاباً إلى رئيس القضاة وشيخ المشايخ المفتي الأكبر سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله قدم له خطاباً يطلب فيه الإعفاء من القضاء ليبقى بجوار والده المسن الذي هو بحاجة إليه مع أخويه الشيخ أحمد والشيخ عبداللطيف ولكن الشيخ محمداً لم يقبل بذلك ورد عليه بخطاب يؤكد له التزامه بالقضاء وعدم الموافقة على طلبه والخطاب والجواب عليه في فتاوى سماحته الجزء الثاني عشر في صفحتي 302 ، 303 وعمل في قضاء القطيف إلى أن أحيل إلى التقاعد عام 1406هـ.
          شيخنا تولى القضاء بنزاهة تامة ولم يكوِّن له ثروة ولا عقاراً إنما الذكر الطيب لدى كل من عرفه في الجبيل والقطيف والأحساء وغيرها بل عرف بحكمته في القضاء ونزاهته.
          ومن قصص شيخنا رحمه الله أنه ادعى رجل على آخر بمسبة وطالب بالحكم بالجلد عليه يقول شيخنا رحمه الله إنَّ المدعي والمدعى عليه من قوم كرام ومن ذوي الهيئات و المرؤة ولكنَّ الشيطان دخل بينهما وعزَّ عليَّ الحكم بجلد الرجل ففكرت في حيلة حيث إني طلبتهما للحضور فلما حضرا طلبت من الكاتب أن يستفز صاحب الدعوى ويستثيره وشيخنا يرقب ما يدور يقول فاستفز المدعي وغضب وتلفظ بألفاظ في حق المدعى عليه يقول شيخنا عندها فرحت بذلك فدخلت عليهم وقلت للكاتب اضبط اضبط فقال المدعى عليه هل سمعت يا شيخ ماذا قال قال شيخنا نعم والله لقد سمعته عندها أَسقط بالمدعي ثم قلت حكمنا على كليكما بالجلد أنت وخصمك عندها انتبه المدعي لحيلتي ثم قال فعلتها يا شيخ قلت: نعم فعلتها والآن أخرجا متصالحين ولا تعودا إلى المهاترة وإن أردتم الحكم فالحكم يقضي بجلدك وجلد خصمك يقول شيخنا في ذلك اليوم تغديت غداء هنيئاً ليس له مثيل.
          شيخنا من السهل الممتنع فيه تواضع جم وفيه عزة نفس ليس لها مثيل وفيه صلاح وتقوى وهو الشاعر الذي لا يجارى ولا يبارى وهو الفقيه وهو المفسر وهو الأديب وهو اللغوي وهو المؤرخ وهو الحافظة وهو الفصيح عنده حضور بديهة ويتكلم وكأنه يقرأ من صحيفة يحفظ الشواهد اللغوية والأدبية مع خفة ظل ومرح ودعابة ومفاكهة لا تمل مع هيبة ووقار خاصة إذا اجتمع مع صهره أبو نعيم رحمهم الله.
          شيخنا فيه جاذبية مغناطيسية غريبة إذا تكلم في فن ظننت أنه لا يحسن غيره قوي العارضة صادق اللهجة عرفته وأنا طفل وتوثقت علاقتي به وكان مجلسي يتشرف به ضحى كل جمعة فيحضر الشباب ومن يبغي الفائدة والشاردة إلى مجلسي وذلك من أجل شيخنا رحمه الله.
          شيخنا فيه سماحة ليس لها مثيل واسع الصدر يسع قلبه كل الناس على كبر سنه فإنه يحب مشاركة الناس أفراحهم وأحزانهم زارنا وزير الشؤون الإسلامية السابق ودعوناه وحضر وشارك بقصيدة،وزارنا سماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ فدعوناه وحضر وشارك بقصيدة ودعانا صاحب السمو الملكي الأمير عبدالرحمن بن عبدالعزيز في مزرعته واتصل بي الأخ الكريم سليمان بن عبدالرحمن الحماد وقال بلغ الشيخ عبدالرحمن الدعوة فبلغته ولبى وحضر وشارك بقصيدة رجل كهذا في أريحيته وسماحته وتواضعه ومتانة علمه يعد من النوادر.

لقد أصيب شيخنا بنوبة قلبية وتوفي على إثرها وتوفاه الله يوم السبت 30/11/1423هـ وصلينا عليه ودفن في المقبرة الشرقية المسماة مقبرة الصالحية وبكيته بكاء لا مثيل له وبكاه الجمع الغفير الذين حضروا للصلاة عليه ودفنه وإن القلب ليخشع وإن العين لتدمع ولا نقول إلاَّ ما يرضي الرب وإنا بك يا عبدالرحمن لمحزونون لقد فقدت الأحساء بموته علماً وإماماً ضرب المثل الأعلى في النزاهة والورع ولم يجمع ديناراً ولا درهما ولم يحتقر ضعيفاً ولا صغيراً ولم يتجبر ولم ينتصر لنفسه رحمه الله رحمة واسعة وقد خلف من الأبناء الأخ العزيز الفاضل أحمد وعبداللطيف وعبدالله وعبدالعزيز وابنتين. وقد ألفت كتاباً باسم المقامات العميرية وألقيت مقدمتها في سبتية العميد عبدالعزيز آل موسى رحمه الله بحضور جمع وفيهم الأخ الدكتور محمد بن عبدالرحمن آل عمير.     

كتبه خادم أهل العلم
محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل
 
Bookmark and Share

سماحة الشيخ الإمام عبدالله بن حميد

علماء عرفتهم طباعة طباعة لا تعليقات
الحديث عن سماحة الشيخ الإمام المحقق المحدث الفقيه المدقق خاتمة محققي الحنابلة يعذب ويحلو لا يمل هذا الإمام الجبل الفرد الذي يعتبر حجة في الفقه عامة والحنبلي خاصة أثار إعجاب كل من التقى به في الحرم أو سمع به ألان الله له الفقه كما ألان الحديد لداود عليه السلام فهو مثل المعادن النادرة لا يعرف قدره إلاَّ المختصون والعلماء الناصحون المخلصون صاحب تأصيل متمكن من اللغة العربية أيما تمكن نسيج وحده لا يمكن ينساه من يتعاطى القراءة في كتب الفقه الحنبلي له اهتمام بحكمة التشريع وعلله والذي جعلني أكتب عنه هذه الأيام لأنه ألف عنه كتاب مستقل في هذه الأيام ألفه الأستاذ الفاضل الشيخ صلاح بن إبراهيم الزامل الكتاب يقع في 531 صفحة من القطع المتوسط الناشر دار أبجد للدارسات والنشر الرياض ودار الصميعي للنشر والتوزيع الرياض.
ولي الحق أن أفرح به ولم لا ؟ لأنني ممن كتب عن سماحته في كتابي ((الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وأثر مدرسته في النهضة العلمية والأدبية في البلاد السعودية والذي طبع الطبعة الأولى على نفقة الشيخ عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ والطبعة الأخيرة دار البشائر الإسلامية ببيروت وقد نقل المؤلف هنا ترجمة الشيخ عبدالله بن حميد رحمه الله في الصفحات التالية 225 ، 226 ، 227 ، 228 ، 229.
وهذا العلم كانت له أكبر حلقة فقه في الحرم المكي وهو يشرح كتاب المنتهى وغيره من كتب المذهب الحنبلي بصوته المميز الهادئ ولغته العربية الفصيحة الصحيحة فإذا قرَّر المذهب تقرير محقق أخذ ينقل أقوال المالكية والحنفية والشافعية وينص على الكتب والصفحات مما جعل ذلك محل إعجاب الحجاج والمعتمرين ممن ينتسبون إلى هذه المذاهب ولم يجرب عليه خطأ هذا مع أنه مكفوف البصر ((فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)) فإذا انتهى انهالت عليه الأسئلة العويصة فأجاب عنها مسألة مسألة وكان يعيد سؤال السائل كما أورده السائل وهذا لفطنته وحضور بديهته.
فيجيب إجابات شافية كافية وكان يحضر حلقته كبار العلماء من كل بلد هذا العالم الجليل ولد في جنوبي الرياض في حي يقال له معكال من أقدم أحياء الرياض من أسرة هم بقايا آل حميد حكام الأحساء وشرقي الجزيرة العربية سابقاً من آل عريعر وقد أخبرني الشيخ الثقة الزاهد الشيخ سليمان بن عبدالله آل حماد المحقق بوزارة العدل رحمه الله قال: لم يتزوج محمد آل حميد إلاَّ على كبر وذلك بمشورة الشيخ العالم العلامة عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ رحمه الله فلما وُلد له المولود بعد سنة جاء به وهو في المهد فرحاً إلى الشيخ عبدالله بن عبداللطيف فأذَّن الشيخ عبدالله وأقام في أذنيه وسماه عبدالله وحنكه بالتمر كما هي السنة ودعا له واستجاب الله دعوة الشيخ عبدالله فقد كان يطلب العلم إلى مات لتواضعه الجم فهو يستمع للمتحدث وهو يدري بالموضوع أكثر من المتحدث وهذه سمة السلف الصالح وسمتهم فقد عرف بالوقار والرزانة والفطنة والذكاء والفراسة الصادقة.
وأنصح القارئ بأن يقرأ كتاب المؤلف عن حياة شيخنا رحمه الله ففيه ما يكفي ويشفي.
والشيخ رحمه الله في أموره يعيش الوسطية قولاً وعملاً وحالاً كما هي حال فقهاء الحنابلة ولن تجد عليه أيَّ أثر لتنطع أو غلو بل عنده حب وشغف بأحوال الساعة وهناك من يزوده بأخبار العالم وفي مقدمة هؤلاء الشيخ الفاضل محمد بن ناصر العبودي وهو أحد طلابه المخلصين الأوفياء الذين يثق فيهم شيخنا.
وثوبه فوق العقب وليس إلى نصف الساق وليس هو لباس شهرة لا بل ثوبه مثل أثواب سائر العلماء ولكنه مع هذا لم يسلم من حاسد وناقم فلما كان يخطب في إحدى البلدان قام أحد هؤلاء وقال للشيخ لا سمع ولا طاعة فإنك مسبل والشيخ في الحقيقة ليس مسبلاً بل ثوبه فوق العقبين ولكن لحكمة الشيخ وحلمه لم يكذب هذا الرجل وإنما قال له بلهجة أهل الرياض ((هيت بمقص من بيتك وقص الزائد)) فما كان من هذا الرجل إلاَّ أنْ خجل واعتذر أمام سخط الناس عليه وكانت للشيخ شعبية لدى الخاص والعام وكان مسدداً في كل أموره وقد أحال إليه أحد كبار القوم رجلين في دعوى بينهما وكتب أصلح بينهما فما كان من شيخنا إلاَّ أن أصلح بينهما وبعد مدة أتى شيخنا إلى كبير القوم هذا فقال للشيخ جزاك الله خيراً يا شيخ لقد حكمت بينهما ورضيا فرَّد الشيخ رحمه الله لا لم أحكم بينهما بل أصلحت لأنك كتبت لي أن أصلح ولم تقل لي أحكم وهذا من دقة فهم الشيخ وأمانته وحين كان الرئيس العام للإشراف على الحرمين الشريفين كنت أزوره وأجد عنده الراحة النفسية فتشعر بالروحانية في مجلسه وغالباً بقربه تلميذه ونائبه الرجل القدوة في سلوكه وأخلاقه الشيخ الجليل محمد بن عبدالله السبيل أطال الله عمره فأجد زوار الشيخ من كل مذهب فهو يألف ويؤلف وأحبه أهل مكة عامة وعلماء فهو حكيم في تعامله مع الناس ويراعي مشاعرهم ولا يصادم أحداً ولا يحقر أحداً فكل تصرفه وكتاباته موضوعية لا ذاتية ينصف الناس لا أزال أحتفظ بمجموعة من الكتب أهداني إياها آنذاك منها (1)كشاف القناع عن متن الإقناع ، (2) و المحرر في الفقه لمجد الدين عبدالسلام بن تيمية رحمه الله.
فشيخنا لا يلحن ويكره اللحن وكان من عادة الناس خاصة وعامة أنهم ينطقون أسرة الشيخ هكذا ((احميد)) يبدأونه بألف ساكنه وبعدها حاء ساكنة ولما كنت طالباً في كلية الشريعة كان لي شرف تقديم سماحته في محاضرة في جامع الرياض الكبير الذي في الصفاة فلما قدمته قلت ((سماحة شيخنا عبدالله بن محمد بن حُميد)) ((فضممت الحاء وفتحت الميم)) فرد عليَّ بعض الحاضرين يطلبون أن أقرأ اسمه كما هو شائع على ألسنة الناس فما كان منه رحمه الله إلاَّ قال بارك الله فيك يا ابني أنت أول من نطق اسمي صحيحاً ففرحت وداخلتني نشوة والكلام عن شيخنا يطول ويطول وأحيل القراء إلى الكتاب المذكور ولكني أعتب ولا أدري إلى من أوجه عتبي فالشيخ رحمه الله لم يعرف حقه حياً ولا ميتاً ولم يكتب عنه قبل هذا الكتاب جزى الله كاتبه خير الجزاء وكذلك فتاويه ورسائله وتقريراته حتى الآن لم تطبع فلمن أوجه اللوم إنما طبع جزء من فتاويه محرفة مشوهة في دار ابن القاسم. ولمن أوجه اللوم لماذا لم يوزع منسكه على نطاق واسع في وزارة الحج ووزارة الشؤون الإسلامية لماذا هذا العقوق ومنسكه يجب أن يطبع على نطاق واسع اسمه ((هداية الناسك في أحكام المناسك)) فهو زبدة وخلاصة لا يكفي عنه غيره امتاز بالوضوح ويشير فيه إلى الحكمة والعلة وقد طبع ولكن على نطاق ضيق وجاء متأخراً بدليل أنه لا أحد يعلم عن هذا المنسك شيئاً لماذا لا تطبع منه مئات الآلاف أسوة بغيره من المناسك وهو شيخ الجميع حتى النسخ القليلة التي طبعتها وزارة الشؤون الإسلامية وزعت على نطاق ضيق جداً جداً.
وفي ترجمة الشيخ قصور فقد ترجموا للشيخ بترجمة ذكروا أنَّ الشيخ أخذ التفسير والتوحيد والحديث عن فلان وفلان ولكن لم يذكروا بيت القصيد وهو الفقه وكيف دخل في عداد الفقهاء لو لم يكن فقيهاً درس الفقه وأتقنه وتبحر فيه.
فشكر الله سعي الأخ الفاضل الشيخ صلاح بن إبراهيم الزامل على جهده الذي يذكر فيشكر حيث جمع غالب ماقيل عن سماحة الشيخ الإمام عبدالله بن حميد و ماقيل فيه وكثرَّ الله من أمثاله ونعوذ بالله من العقوق والجحود ونكران الجميل هذا والله من وراء القصد.     
 
 
 
كتبه خادم أهل العلم

محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل

* نشر في جريدة الجزيرة الأحد 18 ذو القعدة 1429   العدد  13198
Sunday  16/11/2008 G Issue 13198

http://www.al-jazirah.com/156949/wo4d.htm

Bookmark and Share

الشيخ عبدالله آل ملاء في ذمة الله

علماء عرفتهم طباعة طباعة لا تعليقات

   سيذكرني قومي إذا جد جدهم

                     وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
لقد ودعنا بالأمس العالم العلامة المحدث الفقيه النزيه الورع التقي الصالح الشجاع في قول الحق الشيخ عبدالله بن الشيخ عبدالرحمن آل ملا  رحمه الله رحمة واسعة فإنه انتقل إلى خير جوار إنه جوار ربه
رجل لا كالرجال في صفاء نفسه ونقاء سريرته تميز بصراحته ووضوح دخيلة لا يكذب ولا يغدر ولا يقول خلاف مابداخله رجل من السهل الممتنع
       لا تطلبن كريماً بعد رؤيته
                     إنَّ الكرام بأسخاهم يداً ختموا
كرم النفس وكرم النصح وكرم صفاء السريرة شخصية مستقلة ليس إمعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساء الناس أسأت له بصيرة ثاقبة يحفظ كنوزه العلمية لا يعطيها كل أحد إلاَّ من يستحقها بفراسته الثاقبة وإذا عرف حقيقتك أشفق عليك وأبرز لك خلاصة تجاربه كأنه أمك أو أبوك يفتقدك إذا غبت عنه ويتصل بك ويرسل من يتصل بك ويسألك لماذا الهجر ولماذا القطيعة.
قد يكون كتاباً نادراً يختصك به أو يصوره لك هدية. عنده تجارب وعنده فوائد. من كبر سنه تقلقه وتقض مضجعه يبحث عمن يستحقها وكنت ولله الحمد واحداً من هؤلاء.
فإذا غبت عنه اتصل بي فإذا زرته فإني أقوم بجولة في المكتبة ولكن الشيخ لا يتركني أطالع الكتب فهو يتجول معي وكأنه والدي الذي يحنو عليَّ يتجول ويلقي علي الكثير من النصائح والتجارب المريرة التي مر بها فأخجل من تجوله معي فأضطر إلى الجلوس على الكرسي حتى لا أرهقه ورأيته يلتقي مع كثير من مشايخي في نجد والحجاز الذين يقولون كلنا نحرص على أن نكون وسطيين في حياتنا وأذكر أن شيخنا الشيخ حمد الجاسر رحمه الله قال لي يا محمد وسطيتك سوف تنتهي بك إلى الضياع لأن المجتمع لا يفهم إلاَّ لغة واحدة إماَّ أن تكون منا أو تكون منهم لابد أن تنتمي انتماءً واضحاً أنا معكم أو ضدكم وكذلك شيخنا الشيخ عبدالله رحمه الله فحياته حافلة بالتجارب فرجل أسرته مرجع في العلوم الشرعية وعلى مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.
ففيهم علماء في السلوك وعلماء في الفقه،ويلازم الشيخ الفقيه عبدالعزيز بن عمر آل عكاس وهو حنفي المذهب محدث يجتهد في المذهب ذاع صيته في نجد والحجاز وله درس في الحرم المكي في شهر رمضان من كل عام كما ذكر ذلك عمر عبدالجبار في كتابه دروس الحرم المكي حيث أثنى على علم الشيخ عبدالعزيز وقال أنه من أخص أصدقاء الشيخ الفقيه الحنبلي محمد بن عبدالعزيز آل مانع مدير المعارف العام والشيخ ابن مانع طوف البلدان نجداً والعراق والشام ومصر للتحصيل العلمي فلا شك له شخصية مؤثرة ومذهب الإمام الأعظم له عناية بالاستحسان لتأثره بفقهاء العراق مثل إبراهيم النخعي رحمه الله ويلتقي شيخنا في الأحساء بالشيخ عبدالعزيز بن صالح العلجي وهو فقيه مالكي ومالك عرف مذهبه بسد الذرائع وتضييق دائرة الاستحسان التي لا يخلو منها مذهب. وهناك مسائل شرعية تدخل تحت مسمى الحيل الشرعية وهي مخارج الكثير من النوازل والمشاكل الاجتماعية ولا يخلو منها مذهب من المذاهب الأربعة وإن كان الحنفية أكثر من غيرهم بينما يقابلها من هناك سد الذرائع عند المالكية وبعدهم الحنابلة والتي هي بأمس إلى الضبط فالتوسع في الاستحسان والحيل له خطورته والتوسع في سد الذريعة له خطورته وإذا عدنا ورأينا شيخنا أتى من الهند يحمل شهادة من جامعة ديوبند في علم الفقه والحديث والجدل والمنطق و كثير من كتب الردود التي كانت بين علماء الهند من محدثين وفقهاء إذا هذه كلها لها الأثر الكبير في تكوين شخصية شيخنا رحمه الله ولذا فإن الشيخ رحمه الله استغرب من أنني أقرأ كتب الشيخ عبدالحي اللكنوي الحنفي وأنني أستحضر غالب كتابه الرفع والتكميل في الجرح والتعديل وأَنِس بي رحمه الله فكان يطلعني على ما يدور من حوار يحتد تارة ويلين تارة بين مدرسة تدعو إلى سد الذرائع ومدرسة تدعو إلى الاستحسان ولا ترى سد الذرائع فينتقل هذا النقاش والخلاف إلى الواقع وكان شيخنا غالباً ما يكون حاضراً لما يدور بين الشيخ العلجي المالكي والشيخ ابن عكاس الحنفي مما جعل الشيخ يستفيد من كل المدارس ويخرج بتوجه إصلاحي لكنه لم يوفق فيه لأنَّ البيئة غير مهيأة لذلك ولكنه نجح في الإصلاح الإداري والاجتماعي حين كان رئيس المجلس البلدي.
وقاعدة سد الذريعة التوسع فيها كالملح إذا كثر أفسد الطعام ربما تلغي نصوص من الشريعة المطهرة بأسباب التوسع في سد الذريعة خصوصاً في هذه الأيام فهي بحاجة إلى فقيه أصولي لا محدث فإنَّ النظر في هذه القواعد بحاجة إلى فقيه لكن مع الأسف تجد في الساحة من لم يقم للفقه والفقهاء وزناً ويدعي أنه محدث وإذا به يدخل في هذه القواعد التي لا يفهمها إلاَّ الفقهاء.
هذه هي شخصية شيخنا رجل مر بكل هذه الظروف التي لا أقول بأنها متناقضة إنما يكمل بعضها بعضاً ثم بعد هذا كله تجد مدرسة السلوك التي تميزت بها أسرته توقفه موقف الورع وعدم الهجوم ثم ترك الدفاع عن أفكاره التي لو دونها مع تجاهل المخالفين لكوَّن مدرسة إصلاحية لمنطقة هي في أمس الحاجة إليها ومع الأسف الكثير من الناس ما عرفوا الشيخ إلاَّ أنه صاحب مكتبة ولو كان شاعراً لطاروا به ولكن الشيخ رحمه الله جاد في رسالته ليس عنده وقت يقضيه مع قال الراوي يا سادة يا كرام وليس عنده وقت للمستطرف ولهذا فإنَّ الله أطال عمره. ومثواه الأخير جنة الخلد بحول الله وقوته. وجلسة معه رحمه الله تعطيك إشارات ومفاتيح تغنيك عن الجلوس على كرسي الطلب أياماً وليالياَ.
ويكفيه فخراً أنه لم يعط مجالاً للكذابين والدجالين ومثيري الفتن من المفرقين الشمل الاقصائيين الذين اتخذوا العلم ستاراً لقذف الصالحين والنابغين والنابهين والصادقين.
كانت ولادة شيخنا 1327 هـ .
  
بقلم
خادم أهل العلم

محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل

أرسل لجريدة (اليوم) بتاريخ 24/12/1428هـ ولم ينشر حتى تاريخه!

* نشر في جريدة الجزيرة (بتصرف من الجريدة وقد حذف أكثرهـ)الأحد 28 ذو الحجة 1428   العدد  12883
http://www.al-jazirah.com/414418/rj7d.htm

Bookmark and Share
موقع خادم أهل العلم محمد بن عبدالرحمن آل إسماعيل © 2010 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | تسجيل الدخول
simple web counters