الأحدية

من مذكراتي طباعة طباعة لا تعليقات
الأحدية
 
أحدية الشيخ الأديب شيخ أدباء الأحساء السفير المتقاعد أحمد بن علي آل مبارك رحمه الله فتحت في الأحساء فتحاً جديداً لم يسبق وكان الشيخ موفقاً ووجدت إقبالاً شديداً من السعوديين وغيرهم لأنَّ الشيخ أحمد رحمه الله شخصية محببة إلى القلوب يمتاز بالسكينة والوقار والهدوء والصمت إلاَّ فيما يعني هادئ متزن لا يجاري ولا يماري ولا يغتاب ولا ينتقم عرفته منذ أكثر من خمسين عاماً حين كان سفيراً وكان يزور الأحساء في الصيف ويدعوه أخي الشيخ إسماعيل مع إخوانه وبني عمه فتعرفت عليه قبل عام الثمانين الهجري وحتى وهو ساكت ترى عليه أثر الابتسامة حين كان في أشده يبادر بالدعابة وربما بالنكتة التي تسلي الحاضرين وليس ببعيد عنه ابن عمه وابن خالته الشيخ الأديب محمد بن الشيخ عبداللطيف والد عضو هيئة كبار العلماء فضيلة الدكتور قيس فإذا جالست هؤلاء يمضي الوقت فلا تشعر بالملال لما عندهم من أريحية وعفوية مع تواضع جم أقول عرفت الشيخ أحمد رحمه الله قبل عام 1380هـ ثم توطت العلاقة حين كنت في الرياض يشهد الله أنه ما مر ذكره في مجلس العلماء والمشايخ إلاَّ وأثنوا عليه خيراً حين كان سفيراً متنقلاً بين عدة بلدان فلمَّأ عدت إلى الأحساء كان يزورني في الإدارة وكذلك في المنزل مع أنَّ الحق له ولكن هكذا عرفنا العظماء وما سموا عظماء إلاَّ لخصالهم العظيمة وكنت أزوره في مكتبته التي في منزله فتمضي الساعات والحديث ما انتهى حتى أنك لتود أن يطول الزمن دعاني رحمه الله لمَّا رآى اهتمامي بالتاريخ وكتابتي في الصحف دعاني وألحَّ عليَّ وكانت محاضرتي قراءة في تاريخ الأحساء في 21/5/1413هـ قراءة نقدية استغرقت أكثر من ثلاث ساعات مع المداخلات وقد حضرها الجمع الغفير حيث امتلأ المجلس وكانت جريدة اليوم آنذاك فيها ملحق ((باسم الأحساء وخاص بأخبار الأحساء)) وكان المفروض أن ينوه الملحق بالمحاضرة كعادته بعد كل محاضرة ولكن مع الأسف هذا لم يتم بل تتبعت الملحق فوجدته آنذاك شديد الاهتمام بأخبار الاخوان والترجمة لأعلامهم.
            إلاَّ أنَّ الأخ الأستاذ الفاضل النبيل عادل بن سعد آل ذكر الله وفقه الله أشار في زاوية من الجريدة لما ذكرته من أنَّ الذين أسسوا ((مقديشو)) رجال من الأحساء أظنهم ثلاثة أشقاء وذلك بعد خروجهم من الأحساء وهربهم من القرامطة ممَّا جعل العالم الجليل المؤرخ الكريم سمو الأمير محمد بن فهد بن جلوي رحمه الله يتصل بي هاتفياً ويطلب مني المصدر وفعلاً ذهبت إليه وسلمته المصدر هدية وهو تاريخ الإسلام للدكتور أحمد شلبي.
            نعود إلى صلب الموضوع حتى لا نشتت أفكار القارئ أقول إنَّ الأحساء فقدت علماً بارز ذا حضور وتواضع وكرم فلم يدع يوماً بأنه أديب الأحساء ولا عالم الأحساء ولكن الواقع جعله كذلك لخلو الساحة حتى بدأ رحمه الله بأحديته ثم إنه درّس في منزله رجالاً أوفياء استفادوا من علمه ومن خلقه مما جعلهم يتفقون على غير اتفاق على أنه شيخ أدباء الأحساء وما قالوه فإنه حق وقد كتبت عنه مقالات ومؤلفات وأحسن ما ألف عنه هو كتاب الأستاذين الفاضلين الأستاذ خالد بن قاسم الجريان والأستاذ الفاضل عبدالله بن عيسى الذرمان ((الشيخ أحمد بن علي آل الشيخ مبارك رائد الأدب الأحسائي الحديث)) حيث بدأوا بمقدمة ومدخل يجعلك تعرف لماذا كان الشيخ أحمد على هذا المستوى من الخلق الرفيع لاقتدار المؤلفين وفقهم الله وجزاهم خيراً فقد برا بشيخهما وقد أهدياني نسخة من الكتاب.
توفي رحمه الله يوم الجمعة 9 جمادى الأول 1431 هـ هذا والله من وراء القصد.
 
كتبه خادم أهل العلم
محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل
Bookmark and Share

التحزب وأثره السلبي على نهضتنا

من مذكراتي طباعة طباعة لا تعليقات
التحزبات أو التكتلات والحزبيات فهي وإن لم تكن ظاهرة للعيان في بلدنا ولكن أثرها موجود محسوس ملموس وهو بلا شك يعوق نهضة هذه البلاد المباركة يعوقها في جميع مناحي الحياة وعلى رأسها الدين والعقيدة فمن شأنها التحزب الذي ينتج الاقصائية شئنا أم أبينا لأن الله سبحانه وتعالى قال: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)) والذين يحرصون على إقامة هذه النشاطات التي في بلادنا لها دواعي كثيرة منها:
1- حب الزعامة والرئاسة بل وربما المشاركة في السلطة.
2- الإثراء المادي والوجاهة.
والأحزاب تعرقل النهضة الحديثة في بلادنا لأنها في النهاية تتحكم في جميع مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتظهر المحسوبيات جلية والاقصائية جلية. ثم هي تبتعد بالناس عن كل من شأنه جمع كلمتها ولم شتاتها حيث تظهر بأثواب ذات ألوان منها حب محاكاة الغرب باسم التسامح الديني ومنها التي تظهر الانغلاق التام والعزلة التامة ولا يتم كل ما ذكرت إلاَّ بإبعاد كل من ينادي بالرجوع إلى الينابيع الصافية وذلك بإسقاط الرموز بدعوى تحديث الدين بما يسمى الصحوة فيعاد النظر في كل ما كان عند الناس حراماً ومكروهاً وإعطاء صورة سيئة للعلماء المخلصين بأنهم شيوخ سلطة أو شيوخ حكومة وأنهم لا يعرفون إلا أحكام الحيض والنفاس وأنهم لا يعرفون فقه الواقع.
          فيبدأ نشاطهم في غسل أدمغة الناشئة فإذا تكون الهرم بدأت النتائج تظهر وتبدأ بإطلاق عبارات وألقاب على قادتهم ثم تظهر الخطب والمحاضرات والتسجيلات والتي على اختلافها إلاَّ أنها تسعى إلى تشويه صورة العلماء المخلصين بعدها يحل هؤلاء محلهم ويكون الشباب قد دانوا بالولاء والطاعة ثم يبدأ جني الثمرات وهي الحصول على المناصب والتحكم في المحطات الفضائية والاستحواذ على كل نشاط خيري واجتماعي عندها لا تخلو وزارة أو إدارة من المنتسبين إليهم ويبدأ الترهيب والترغيب.
          فتجمع الأموال إمَّا عن طريق الفضائيات أو عن طريق الجمعيات فيبدأ تفقدهم للمحتاجين الذين يمكن الاستفادة منهم للحاق بالركب فمن أبدى استعداده ألحقوه بهم بطرق شتى ظاهرة للعيان ثم مدوا أيديهم لمن لهم قيادات إدارية وإشعارهم بأنهم ضموهم إليهم فإذا أطعموهم من الكعكة بعدها أملوا عليهم إرادتهم بدعم الموظف فلان الذي على شاكلتهم وإقصاء الموظف فلان الذي ليس على مشربهم وهذا شيء ملموس محسوس مهما أخفوه ولكنهم مثل النعامة ((تخفي رأسها بينما جسمها كلها ظاهر للعيان)) ويبرز نشاطهم جلياً في تحقيق مآربهم بإسقاط العلماء العاملين الناصحين الورعين الشرفاء بتشويه سمعتهم وفي المثل ((من أكل تمرهم أطاع أمرهم)).
          وتمتد هذه الأحبولة فتحاول الوصول إلى جميع مراكز السياسة كبيرها وصغيرها ولو تأملنا حالهم لوجدناهم كما ذكرت هدفهم المادة والجاه والرئاسة والوصول إلى المناصب العليا والسياسة.
 ثم إنَّ هؤلاء بالتتبع والتأمل لا تجدهم في الحقيقة يسعون إلى إصلاح فما سمعنا أنهم وقفوا مع الضعفاء ولا أنهم واسوا الفقراء ولا طالبوا بما يطالب به الكتاب والصحافيون الذين يمثلون المجتمع حق تمثيل بكتاباتهم النافعة.
          فتظهر عندها الاقصائية جلية وذلك بعرقلة كل من يخالفهم سواء في وظيفة أو في دراسة في مدرسة أو جامعة فيتأخر الأكفاء والمخلصون بل وينحون ويمكَّن المتردية والنطيحة فهذا مرض خطير ما استشرى في مجتمع إلاَّ تخلَّف مهما حاول القادة الرقيَّ به والأخذ بيده لأنَّ الحزبية والاقصائية سيطرت فإذا استشرت انتقلت عدواها إلى المتعصبين للمدينة والقرية إذا كانت القيادة بيدهم وإلى القبائل والشعوب هذا بقوميته وهذا بشعوبيته.
          وبما أنَّ الجوَّ مهيئٌ في كل ركن كذلك من صور الاقصائية أنه قد يزج بمن يحمل شهادة عليا ولكن في السلوك لا تسأل ولم ينشأ في بيت علّمه كلمة عيب فهو لا يعرفها فقد يُستغل بوقاً فيسعى لقطع طريق شخص استحق وظيفة أو منصباً وذلك بتلفيق الأكاذيب فيكون أشد من قطاع الطرق وقد تصل الاقصائية إلى بعض الصحف فينشر الغثاء ويحجب النافع ومع الأسف إنَّ هؤلاء الحزبيين والاقصائيين يحملون مؤهلات شرعية وفيهم أئمة وخطباء ودعاة نسأل الله السلامة وأنا لم أعين أحداً ولكن كما يقول أهل مصر ((الليِّ على راسه بطحاء يحسس))
          ومهما تكن عند امرئ من خليقة
                                      وإن خالها تخفى على الناس تعلم
هذا والله من وراء القصد.
          
 
كتبه خادم أهل العلم

محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل

Bookmark and Share

فضيلة الدكتور عبداللطيف آل الشيخ والاختلاط

من مذكراتي طباعة طباعة لا تعليقات
فضيلة الدكتور عبداللطيف آل الشيخ والاختلاط
 
لقد قرأت في العدد 1374 يوم الأحد 2 جمادى الآخرة 1431هـ ما كتبه صاحب الفضيلة الأخ الدكتور عبداللطيف بن الشيخ عبدالعزيز بن الشيخ عبدالرحمن بن الشيخ عبداللطيف آل الشيخ عن الاختلاط وضوابطه وتحدث عن فترة لعلها من أعز الفترات في حياتي وهي ما قبل 1390هـ لا أزيد عليه ولكن ما أريد الحديث عنه تلك الفترة التي تبدلت بعدها الحال إلى ما وصلنا إليه من تشدد وتضييق.
          فأقول كما قال أخي فضيلة الدكتور كان الناس يعيشون على الفطرة وأخذ الناس بظواهرهم ولم يكن أحد يفكر في النوايا وكانت فترة مباركة حيث كان هناك مرجعية لها وزنها وثقلها في المجتمع السعودي بجميع أطرافه وأطيافه وفي خارج المجتمع السعودي ألا وهو سماحة المفتي الأكبر ورئيس القضاة الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ الذي أعطاه الله عقلاً يرجح على رواسي الجبال الذي عرف بسمته وصمته صمته الذي يغني عن الكلام إذا جلس بعد صلاة المغرب في مجلسه وأحاط به العلماء والكبراء والقادة والعامة تمنى كل منهم أن يفديه بنفسه يهابونه ويحبونه ويجلونه هذا الرجل الذي لي ولله الحمد فضل السبق في تأليف كتاب مستقل عنه طبعه ابنه الشيخ عبدالعزيز رحمه الله ثم طبعته دار البشائر الإسلامية.
          لقد كان سوق المقيبرة يعج بالناس رجالاً ونساء في بيع وشراء بل وفي البيوت حين يمر الجار ذاهباً إلى المسجد فإنه يسلم على امرأة جاره وهي بدورها تصبح به وتمسِّي فكان الناس يغلب عليهم براءة البادية في الصحراء حين ترعى الفتيات وبجوارهن يرعى الفتيان الغنم.
وهناك رجال الحسبة الذين يرأسهم ويوجههم الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رحمه الله الغالب عليهم أنهم رجال ناضجون كلهم هيبة ووقار يمشون على الأرض هوناً قدوة في السمت والأخلاق لا يمشون إلاَّ وعليهم بشوتهم يسددون ويقاربون وقد كان والدي رحمه الله مكلفاً من قبل الأمير سعود بن جلوي في الأحساء بمنطقة خارج الدراويز أي خارج المدينة مكلفاً بالأحياء التي يسكنها البادية وكان الناس يبيعون ويشترون رجالاً ونساء ويرعون الغنم ولم ينكر عليهم أحد باسم الاختلاط وأخي فضيلة الدكتور حدد المدة إلى التسعين وأنا أقول لم تتبدل الحال إلاَّ بعد عام 1395هـ حيث انتهت المرجعية وتعددت المرجعيات حتى وصلت الحال إلى أنَّ ما يقوله الإمام أحمد بن حنبل هو محل قبولٍ ورد وأمَّا قول أحد المرجعيات فإنه قطعي يخشى على من يخالفه وكل مرجعية لها أتباعها وكلها تدعي الاجتهاد ومن نتاج هذه التوجهات خرجت الفتنة المشهورة في الحرم ثم لا نزال ننزلق حتى أصبحنا نستحي من الانتساب إلى المذهب مع أنَّ السعة في المذهب الذي كان الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبدالله بن حميد هم المرجعية في فقه هذا المذهب ثم بدأنا بالتصنيف والحكم على ظواهر الناس وبدأنا نأخذ بأضيق الأقوال وأصبحت الساحة كلها تفتي واستغل هذا من استغله فوضعت الحواجز بين الشباب والعلماء الراسخين وسحب البساط من تحتهم ثم بدأ تصنيف الناس وأهل العلم خاصة بأنَّ هذا شيخ سلطان أو شيخ حكومة ولعلي أحد هؤلاء الذين صُنفوا بأنهم شيخ حكومة فكل من أراد تهدئة الناس وربطهم بسلفهم وبمذاهبهم شنت عليه حملة بأنه شيخ حكومة وأنَّ فقهه محنط محصور في الحيض والنفاس وحرم كل لهو بريء وحرم الفرح حتى في العرس حيث حولوه بما يسمى عرساً إسلامياً كله خطب وأناشيد وقسم المجتمع إلى ملتزمين وغير ملتزمين وبدأت التوجهات السرية ثم ظهر الإرهاب فالفترة التي أشار إليها صاحب الفضيلة وكان لي شرف مزاملته حين كنت مدير مكتب شؤون الفتاوى في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء ومكلفاً باحثاً أعد أجوبة سماحة الشيخ عبدالعزيز وأجوبة اللجنة الدائمة وقد كان الأمين آنذاك المكلف فضيلة الشيخ الجليل سعد بن محمد آل فريان رئيس جمعية تحفيظ القرآن فهو نعم الرئيس وكان لي الشرف حيث عملت تحت مظلته فأدركنا تلك الفترة وشهدناها حيث كان الناس على فطرتهم في وسطية واعتدال لا إفراط ولا تفريط أمَّا الآن فإننا نمشي في طريق مسدود مظلم اللهم سلم اللهم سلم هذا والله من وراء القصد.    
 
كتبه خادم أهل العلم

محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل

* نشر في جريدة الجزيرة الأحد 15 رجب 1431   العدد  13786
Sunday  27/06/2010 G Issue 13786
http://www.al-jazirah.com/20100627/rv1d.htm

Bookmark and Share

سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز 2/2

من مذكراتي طباعة طباعة لا تعليقات
إن أسلوب سماحة الوالد على خلاف أسلوب الفقهاء الذي عرف بالجفاف وعلى خلاف أسلوب بعض حملة الشهادات العليا المعاصرين الذين لا يعرفون مراعاة مقتضى الحال ولا يعرفون بأنَّ لكل مقام مقالاً حتى أنَّ بعضهم ربما استعان بمعجم لغوي حين يريد مخاطبة الناس في حفل أو اجتماع فتجد أسلوبه يعلو وينحط فلا هو يرقى إلى مستوى فرسان الكلام ولا هو بالذي يفهمه العامة وهذا كله راجع إلى الإعجاب بالنفس أمَّا سماحة الوالد فإنَّ كتابته وكلامه يدخل قلوب الخاصة والعامة دون استئذان فهو من السهل الممتنع لقد أوتي البلاغة فهو إذا كتب بعد ذكر المخاطب والدعاء له بما يناسبه فيقول: لشخص سلمه الله ولآخر وفقه الله. بعد ذلك يملي ((وبعد)).
          فهو لا يكتب: أمَّا بعد وهذا راجع إلى إحساس الشيخ البلاغي المرهف لأنَّ استعمال: أمَّا بعد فهي دائماً تمثل مدخلاً قوياً لبراعة استهلال الخطباء فإنك حين تكون خطيباً وتقول: أمَّا بعد فإنَّ الناس كلهم سوف ينتبهون لك الساهي واللاهي والنائم والمنصرف يتخوفون من الذي سيأتي بعد أمَّا بعد:
          أمَّا: كتابة وبعد فهي بلا شك دون أمَّا فهي تعطي ارتخاء وربما أكثر تقبل وهذا لا يعرفه إلاَّ من رزق حساً بلاغياً وعلى العموم يجوز استعمال هذا وذاك ولكن بعض من اغتر بشهادته عاب على سماحة الشيخ تركه ((أمَّا)) مع أنَّ علماء اللغة أجازوا ذلك وهذا الإمام الشيخ محمد بن أحمد الشهير بالحطاب رحمه الله في مقدمة كتابه ((متممة الآجرومية)) وقال في ص10: وبعد فهذه مقدمة في علم العربية
قال الشارح الإمام محمد بن أحمد بن عبدالباري الأهدل في كتابه الكواكب الدرية على متممة الآجرومية.
          في نفس الصفحة قال: ((وبعد)) هي كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب في الكلام إلى أسلوب آخر والواو في أولها نائبة عن ((أمَّا)) الشرطية فلذا لزمت الفاء بعدها الخ الناشر مكتبة الإمام الوادعي صنعاء.
إذاً ما يكتبه سماحة الوالد عن دراية وعن علم بعيداً عن المتكلفين المتقعرين ممن يغتر بحرف الدال ممن لا يساوي قطرة من بحر علم شيخنا رحمه الله.
بقي سؤال وهو ما هو السر في محبة الناس لسماحة الشيخ ربما قال قائل هناك من هو أفقه منه؟ فالإجابة رزقه الله القبول ومحبة الناس حتى الذين يخالفونه هو أن الشيخ لم يعر الدنيا اهتمامه ولا فكر في المال ولا في جمعه لم يكن متهالكاً على الدنيا ولم يكن من علماء الدنيا بل يعد من علماء الآخرة لم تهمه العمارات ولا السيارات ولا الأرصدة وإذا جاءت إلى الشيخ رحمه الله فإنما هو ممر لها حيث إنه الخازن الأمين الذي يوصل المال إلى مستحقيه بل حتى مرتبه فهو ينفقه فهناك أسر في داخل المملكة وخارجها تعيش على ما يصلها من راتب سماحته رحمه الله.
فصان علمه وصان يده وأعز نفسه فأعزه الله ولسان حاله لسان القاضي عبدالعزيز الجرجاني:
ولو أنَّ أهل العلم صانوه صانهم
                ولو عظموه في النفوس لعظما
ولسان حاله يقول:
يا علماء الدين يا ملح البلد
                 ما يصلح الملح إذا الملح فسد
نمت يوم الاثنين الموافق 17/9/1430 هـ بعد صلاة الظهر ورأيت في المنام سماحة الشيخ الوالد عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله وكأنه في أرض خضراء أو حديقة غناء ويكلمه سعود اليسر ورأيت شاباً جميلاً يبتسم اسمه عبدالله الفلاح فاستيقظت مستأنساً بالسعادة واليسر والعبودية والفلاح وأهمها رؤية الرجل الصالح الولي إن صح التعبير سماحة الوالد.

          ثم أمسكت بالقلم لأكتب بعض ذكرياتي مع سماحته رحمه الله تعالى والتي تنشر الآن.

كتبه خادم أهل العلم

محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل

* نشر في جريدة الجزيرة الجمعة 01 محرم 1431   العدد  13595
Friday  18/12/2009 G Issue 13595
http://www.al-jazirah.com/139784/is7d.htm

تابع: سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز 1/2

Bookmark and Share

سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز 1/2

من مذكراتي طباعة طباعة لا تعليقات

الحديث عن سماحة الشيخ الإمام عبدالعزيز بن باز لا يمل.
فالشيخ- رحمه الله- من أبعد الناس عن العصبية والتشدد ففي وقته وبأمره وزعت مجاناً كتب هي عمدة في المذاهب الثلاثة مثل كتاب المجموع شرح المهذب للإمام النووي مع تتمته للشيخ محمد نجيب المطيعي وهو في الأصل شرح لكتاب هو عمدة لدى الشافعية، وكذلك وزع كتاب المدونة وهي أصل مذهب المالكية، وكذلك عمدة القاري للإمام العيني الحنفي وغيرها من الكتب وكذلك وزع كتاب المحلى لابن حزم وهذه مضافة إلى كتب التفاسير وكتب الصحاح والسنن وكتب السنة عامة وكتب الحنابلة.
وكنت إذا أعددت له موضوعاً سألني بلطف هل راجعت المحلى لابن حزم هل راجعت الكتاب الفلاني فكنت في سن الشباب آنذاك فأرد ربما بغير ما أرتضيه الآن فيعيد عليّ السؤال بلطف ليس له مثيل فكان لا يرضى بالبحث أو الموضوع أن يخرج إلا شاملاً وهذا من ورعه وإنصافه.
كنت أتحدث في مكة المكرمة عن كتابه دوران وثبوت الأرض والحوار الذي دار بينه وبين الشيخ محمد محمود الصواف وحيث تعلمنا الحرية في الحوار والحرية في التعبير فكنت أميل إلى قول من يقول بترك البحث في هذه القضايا لأن القرآن ليس كتاب فلك أو جغرافيا. فعلم الشيخ بحديثي رحمه الله فكتب لي خطاباً وطلب مني تلخيص كتابه المذكور في صفحات. وهذا من ذكاء الشيخ وحكمته ولطفه.
رأيت من بعض الدعاة الوافدين أو المواطنين حدة في الطبع وشدة ربما نفرت المقابل فكتبت لسماحته عن ذلك وبعدها ألف رسالة لطيفة في الصفات التي يجب أن تكون في الداعية هذا في حج عام 1397هـ.
كان رجل يظهر عليه سيما أهل العلم والصلاح ولكنه مشغول ليل نهار بجرح الرجال فلا يعجبه أحد وفي إحدى الليالي كنت ممسكاً بيد سماحته راجعين بعد صلاة المغرب من الجامع الكبير وإذا بهذا الرجل يشغل الشيخ أنت لا تصدقنا لا تثق فينا فرد الشيخ رحمه الله قائلاً: يا فلان إذا بلغ الرجل شيئاً من الكمال فلا يخلو من قادح ومادح.
رحم الله الشيخ ما أشد ورعه فلما دخلنا بيت سماحته ذهب ليجدد الوضوء وإذا بالشيخ إبراهيم الحصين رحمه الله يأتي إلى هذا الرجل ويقول له: يا فلان اتق الله يا فلان اتق الله ولا تشغل سماحة الوالد بغيبتك للناس وقذفهم فما كان من هذا الرجل إلا أن خرج من بيت سماحته.
كان من عادة سماحة الوالد أنه إذا جاء من يسأل عن أمور دينه كان- رحمه الله- يسأل هل السائل له لحية أم أنه يحلقها وكان المصطلح عليه بين سماحته والإخوان عبارة (ليق) يعني حليق بعدها يقوم الشيخ بنصحه بلطف بألا يحلق لحيته. وكنت في مكة وكنت أنا الذي أمسكت بيده فجاء سائل له لحية تصل إلى سرته وكان سماحته يهز يدي فاحترت ماذا أقول: فقلت (قيق) فرد الشيخ فهز يدي ثانية فقلت (قيق) فقال لي وما معنى (قيق) قلت: أي له لحية طويلة فرد سماحته ما اتفقنا على هذا فقلت الآن نتفق (ليق) للحليق و(قيق) للملتحي فتبسم الشيخ ابتسامة عريضة.
في الحلقة الماضية يوم الجمعة 30 شعبان 1430هـ العدد 13476 لم أذكر أشهر طلاب الشيخ الذين لازموه في الدلم واستفادوا منه واستفاد منهم لأنهم يقرأون عليه فهم يتعلمون وهو- رحمه الله- يثبت حفظه فهم الشيخ عبداللطيف بن شديد عضو هيئة التمييز- رحمه الله-، والشيخ عبدالرحمن بن جلال- رحمه الله-، وشيخنا الفقيه راشد بن صالح بن خنين المستشار في الديوان الملكي وعضو هيئة كبار العلماء فهو فقيه وشاعر وأديب أطال الله عمره فهو من أهل الدلم وهؤلاء الثلاثة من الخرج.
والشيخ سليمان بن عبدالله الحماد المفتش القضائي- رحمه الله- من أهل الرياض أما خامسهم فهو كاتب الشيخ في قضاء الخرج الشيخ صالح بن علي المنتفقي العراقي، وقد سكن هذا مكة ومات فيها وله فيها عقب- رحمه الله- وبارك في عقبه وهذا نسبة إلى لواء المنتفق في البصرة.
فهؤلاء هم أشهر طلابه وأقدمهم.
وكان الشيخ- رحمه الله- إذا ابتلي بجدال مجادل قال له: سبح سبح وبعدها يبدأ هو يسبح.
في إحدى الليالي زاره بعد العشاء رجل كفيف على هيئته الوقار مع مرافق له وكان الشيخ من عادته ألا يستقبل أحداً بعد صلاة العشاء لماذا؟ لأنه يبدأ عمله في مكتب البيت بين كتابة ومراجعة وبين قراءة في كتب العلم وبين اتصالات هاتفية ففي تلك الليلة أصر الرجل على لقاء الشيخ فأذن له الشيخ وإذا به يقول بأنه يبني وقد نقصه المال ويحتاج إلى قرض مدة سنة فرد الشيخ رحمه الله: ما ذهبتم إلى أحد يقرضكم قالوا: لا ما ذهبنا ولو ذهبنا فلن يقرضنا أحد ولجأنا إلى الله ثم إليك لتكلم أحداً ليقرضنا فتأمل الشيخ ثم قال عندي مبلغ لمشروع خيري من المحسنين ثم أقرضهم إياه مدة سنة. فقاموا وهم يدعون له لأنه فرج عنهم.
سماحة الوالد يتكلم باللغة العربية الفصحى ويكتب بها ويكره اللحن ويصحح أخطاء القراء حين يسمعهم ويعد صاحب طريقة في الكتابة فهو يعرف كيف يخاطب مستمعه بلغة عربية سهلة ميسرة ليس فيها إغراب ولا استعجام ذلك لأنه من جيل السيد محب الدين الخطيب ومن جيل السيد أبي الحسن الندوي والدكتور تقي الدين الهلالي وإن كان الهلالي أكبر منهم سناً.

 

كتبه خادم أهل العلم

محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل

* نشر في جريدة الجزيرة الجمعة 17 ذو الحجة 1430   العدد  13581
Friday  04/12/2009 G Issue 13581
http://www.al-jazirah.com/624712/is6d.htm

تابع: سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز 2/2

Bookmark and Share

أيام مع سماحة الوالد الشيخ عبدالعزيز بن باز

من مذكراتي طباعة طباعة لا تعليقات
حديثي عن سماحة الوالد المربي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن آل باز.
          حديثي يختلف عن أي حديث فقد تحدث العلماء والكتاب عن سماحته في الصحف والمجلات وأقدم هؤلاء وألصقهم بالشيخ منذ كان قاضياً للخرج الشيخ العلامة الناسك الورع الشيخ سليمان بن عبدالله آل حماد رحمه الله.
أما العالم الثاني فهو الشيخ الفقيه الأديب نفساً ودرساً راشد بن صالح آل خنين عضو هيئة كبار العلماء والمستشار في الديوان الملكي فهو زميل الشيخ سليمان رحمه الله وتتلمذ على الشيخ في الخرج ولازمه حتى صار ولده البار.
أما الرجل الذي لازم الشيخ في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وفي الرياض حين انتقل سماحته إلى الرياض فهو الشيخ إبراهيم آل حصين رحمه الله رحمة واسعة وغفر له فهذا الرجل كان كاتب الشيخ الخاص وسكرتيره ومستشاره فهو يتصرف وكأنه يقرأ أفكار الشيخ يتصرف وكأنه يعرف ماذا يريد الشيخ لا تفارقه الابتسامة لا يعرف الغضب والعبوس إليه سبيلاً هادئ الطبع غاية في الاتزان والرزانة تشعر كأن بينك وبينه قرابة كأنه جدك لأبيك أو جدك لأمك عبارته الوحيدة المتكررة والمتميز بها (لبيك) مع كل من يخاطبه أو يحادثه فكان سماحة الوالد رحمه الله يثق به ثقة ليس لها مثيل يأتي الزوار والمراجعون وربما كان سماحته يتوضأ أو يتهيأ لدخول المكتب ولكنك حين تعرض موضوعك على الشيخ إبراهيم رحمه الله فإنه يعتبر منتهياً فهو يبتسم قائلاً لبيك الآن يأتي سماحة الوالد فإذا دخل سماحته عرض عليه الموضوع بطريقة أحسن من عرضك أنت ثم كتب بسرعة فائقة ثم ختمها بعد أن قرأها على سماحته فكأنهما روح واحدة في جسمين هذا الرجل غاية في الترتيب وقمة في التهذيب ملازم لسماحته في البيت وفي الإدارة فهو كل شيء وما اختاره سماحته إلا بعد خبرة طويلة لأنه على نفس الشيخ ولا شك أن موته أثر على نفسية سماحة الشيخ أثراً عميقاً لا يعرفه إلا من لازم سماحته وعرف سماحته ورقته ورفقه ولينه والذي يعرف الشيخ إبراهيم الحصين يقول بأن هذا الرجل لا يمكن أن تكون هذه صفاته لولا أنه أحب سماحته لله وفي الله لا لغرض دنيوي ولا لمصلحة تزول.
          أما جوانب فضائل سماحة الشيخ عبدالعزيز فقد تكلم عنها العلماء كما ذكرت لكن هناك جوانب عشتها أنا: منها أن سماحته يعتبر مرشداً ومربياً فهو حين يأمرني بإعداد بحث أو موضوع فإنه يوجهني ويحيلني إلى المصادر التي أنقل عنها مرتبة بطريقة تفوق طريقة المشرفين على الرسائل العلمية فيقول: اعتمدوا جمع الأحاديث الواردة في الأذكار والأدعية في الصباح والمساء مع الأحاديث الواردة في فضل الذكر من غير تقيد بالصباح والمساء من الكتب الآتية الصحيحين ، السنن الأربع ، ومسند الإمام أحمد بواسطة ترتيب الساعاتي وما كان في الصحيحين كفى العوز إليها. أما ما كان في الكتب الأخرى فإنه ينقل بسنده مع الإشارة إلى الجزء والصفحة حتى تمكن مراجعته والحكم عليه ثم قال: ويمكن بعد الفراغ مما ذكر مراجعة الكتب الأخرى كالموطأ وسنن الدارمي والبيهقي والحاكم إلى أن قال: أعانكم الله على كل خير وبارك في جهودكم..الخ
فانظر كيف أن الشيخ رحمه الله يوجه الباحث الناشئ توجيهاً كاملاً كيف يبحث.
          هذا فقط مثال لتوجيه سماحته وفعلا استفدت فائدة عظيمة في كيفية الرجوع إلى المصادر وكيفية ترتيبها. صورة أخرى لطريقة سماحته في التوجيه والنقد العفيف المخلص البناء اشترى لي الأخ الكريم الفاضل الدكتور شرف بن علي الشريف سلمه الله كتاب (الغنية) تأليف الإمام الشيخ عبدالقادر الجيلاني الحنبلي فأعطى الكتاب سماحة الوالد ولما قدم سماحة الوالد من مكة شرفها الله وكنت قد أتيت الرياض قبله فإذا به يرسل الكتاب المذكور ومعه خطاب رقيق بتاريخ 25/4/1399هـ يقول فيه بعده أخبرني الدكتور شرف بن علي الشريف أنه تحصل لكم على نسخة من الغنية تأليف الشيخ عبدالقادر الجيلاني رحمه الله فآمل تذكيري بها للنظر في إعادة طبعها بعد مراجعتها بارك الله فيكم..الخ.
فهذا نموذج للداعية الناصح النزيه لو كان غير الشيخ عبدالعزيز لقال:هذا الكتاب فيه كذا وفيه كذا ولماذا تشتريه لا بل عنده أناة وصبر وروية كلها تدل على حسن النية.
يحيط بسماحته بعد صلاة العشاء مجموعة من الفضلاء مع فضيلة الشيخ إبراهيم الحصين رحمه الله من هؤلاء فضيلة الدكتور عبدالله بن حافظ حكمي قبل تحضيره الرسالة وفضيلة الدكتور عبدالله بن أحمد آل زيد قبل تحضيره الرسالة وفضيلة الأستاذ محمد آل خريف غفر الله وفضيلة الشيخ عبدالعزيز بن ناصر آل باز عضو مجلس الشورى وكاتب هذه الأسطر مع هذه الكوكبة التي تحيط بسماحته كل شخص موكل إليه عمل هذا في قراءة الكتب وهذا في تحضير البحوث والإجابات وآخر عن الشؤون السرية وآخر عن حاجات الناس والشفاعة لهم وقضاء حاجاتهم وآخر عن المعاملات الرسمية وكان سماحته رحمه الله يدير هذه الكوكبة بدقة متناهية وكان نصيب كاتب هذا المقال تحضير البحوث والقراءة في بعض الكتب من أجل التعليق عليها. فكان سماحته ينتقل من شخص إلى آخر طالباً قراءة ماعنده ثم يملي عليه ما يملي ثم ينتقل إلى الآخر ثم يعود إلى الأول طالبا قراءة ما أملاه عليه إن كان قد انتهى من كتابته ولا يغيب عنه شيء مع دقة في النحو والإملاء ليس لها نظير وقد أقرأ عليه في كتاب ثم تقف القراءة من أجل سفر سماحته ثم يأتي بعد فترة وإذا به يقول: وقفنا في القراءة عند قول كذا من صفحة كذا هذا وهو ممسك بطرف شماغه (ملحفته) باستمرار وكأنه يبرم طرفها ويمتد الحال إلى ما بعد نصف الليل وفي أثناء ذلك فإن الهواتف كلها تعمل وسماحته يجيب عليها بلا ملال هذا يستفتي وهذا يستشفع وهذه الأميرة فلانة تتصل به وتسلم عليه ويرد عليها السلام سائلا عن حالها وعن أولادها أصحاب السمو الأمراء والأميرات واحداً واحداً فهو يسأل عن حال فلان المسافر وفلانة المتزوجة توا ويسأل عن زوجها. وتفاجأ وأنت ترصد سماحته وإذا بالأميرة فلانة تطلب من سماحته نصح ابنها سمو الأمير فلان والآخر لها مدة لم تره فتطلب من سماحته مناصحته وتوجيهه ثم إن الشيخ بدوره يسأل عن فلان المراهق كيف حاله مع الصلاة فتجيبه بكل صراحة فمن خلال سماعك لمكالمات سماحته بالأسرة المالكة يظهر لك مدى ثقة هذه الأسرة بسماحته نساء ورجالاً وكأنه أبوهم أو القيم عليهم ثم يعود بعد المكالمة إلى من وقفت عنده القراءة من الإخوان ثم تأتي مكالمة أخرى من أميرة محسنة تريد توجيه سماحته لها بأن تقوم بعمل خيري بملايين الريالات ثم بعدها تأتي مكالمة من رجل من علية القوم يخبر سماحته بخلاف نشأ بين فلان وفلان ويطلب من سماحته التدخل للإصلاح بينهما فلا يتأخر سماحته إما عن طريق الهاتف أو سيراً بنفسه وكم فتنة طفئت على يد سماحته وهو يحرص في إنفاقه ألا تعلم شماله ما تنفقه يمينه. أما تفريج كربات المسلمين فهذا شيء طبع عليه سماحته فلذته وراحة نفسه في إنفاق المال وفي الشفاعة للمسلمين فالأيتام والأرامل والفقراء داخل البلاد السعودية وفي خارجها يتصلون بسماحته ينفق ما عنده مع أنه ليس عنده ثم إنه يستعين بالله ثم بالكتابة إلى أهل الخير من أصحاب السمو الملكي وغيرهم من المحسنين يذكر لهم يذكر لهم حاجة المحتاجين فلا يتأخرون عن تلبية شفاعته فعندها يتسابقون فعندها يتسابقون لهذا الخير الذي سعى فيه لهم سماحته وهم يعرفون نزاهته وحبه للخير فتجد الملك سلمه الله أصحاب السمو الملكي يستجيبون لسماحته راغبين راضين فرحين بهذا الخير الذي دلهم عليه وهذه تحتاج منا إلى وقفة بل وقفات لا يشكر الله من لا يشكر الناس. فلولا أن الله سخر هؤلاء العلية من القوم للوقوف مع سماحته رحمه الله لما استطاع أن يوصل الخير إلى أهله المحتاجين فهم يقدرونه فيمدونه بالمال وهو الخازن الأمين ويشفعونه إذا شفع فهو بهذا قدوة حسنة وأجدني كثيراً ما أكتب إلى أصحاب السمو الملكي أذكر حاجة المحتاجين فلا أجد إلا الاستجابة والمسابقة إلى الخير من أصحاب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز وصاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز نائب أمير المنطقة الشرقية سابقاً فإني كثير الإحالة إليهم وكثير الرفع عن حاجة المحتاجين فلم أجد منهم إلا حباً ومسارعة إلى فعل الخير بلا ضجر ولا منة أذكرها حتى لا نكون جاحدين للمعروف فسماحته رحمه الله ما جمع ديناراً ولا درهماًُ وهذا ما جعله ينال ثقتهم واحترامهم واذكر أني سعيت لديه رحمه الله في حاجات كثير من إخواني فكان يأنس بذلك والسيل حرب للمكان العالي. فكثير من أعمال الخير يعملها ويكتمها وقد حصل كثير عن طريقي منها أنه أمرني بطبع كتاب توجيهات دينية ومناصحات فيما يجب على الراعي والرعية تأليف الشيخ محمد بن إبراهيم آل مبارك رحمه الله وكلفت طباعته خمسين ألف ريال وأذكر أنه طبع على نفقة أحد المحسنين.
          و سماحته من أبعد الناس عن العصبية فقد وزع في عهده كتب المذاهب الأربعة المجموع شرح المهذب عشرون مجلداً في الفقه الشافعي والمدونة والتمهيد والكافي في الفقه المالكي وعمدة القاري وغيرها للعيني الحنفي.
و من سماحته أنه يزور جميع الطوائف فيستقبلهم بالبشر ويستمع منهم ثم يبين لهم بلين ورفق الخطأ الذي وقعوا فيه فكم هدى الله على يديه من قوم. يوجد في العلماء المدرسون والمفتون ويوجد فيهم من يختصه الله بقضاء حوائج الناس وهذه نادرة جداً ويوجد المتفرغون للبحث والتأليف ويوجد الذين مجالسهم مفتوحة لاستقبال الناس ولذا يقول فلان شغله التدريس عن التعليم وذاك شغله التأليف عن لقاء الناس وذاك شغله قضاء حوائج الناس عن العلم ولكن سماحة الشيخ رحمه الله جمع كل الصفات العلم والتأليف والتدريس والإرشاد وقضاء حوائج الناس ومباشرة الوظيفة الرسمية التي تأخذ عليه غالب يومه ثم هو الفقيه المحدث والعالم برجال الحديث في هذا العصر الذي ندر فيه التخصص فهو يحفظ رجال الحديث رجلا رجلا على طريقة السلف الصالح في الجرح والتعديل.

ثم إن مجلسه الذي يزدحم بالناس تلاحظ عليه السكينة والوقار وعدم التمايز بين الجالسين في المقاعد فلا تسمع كلمة نابية ولا تسمع لسماحته صوتاً نابيا،وكل من في مجلسه يرى أن له حقاً في سماحته وهو المتلطف بضيوفه والرفيق لهم يستمع من الكبير والصغير فيجد الناس في مجلسه المتنفس لهم فيشكون له أوضاعهم وأوضاع المسلمين خلفهم وبعد فمشايخنا إن شاء الله فيهم خير كثير وكلهم تحدثوا عن صفات سماحته وأقول ما المانع لهم أن يرثوا هذه الصفات كل على قدر استطاعته هذا يستقبل الناس فلا يغلق مجلسه أمامهم وآخر يشفع للناس ويرفع حاجاتهم إلى القادرين فإن كانت كل الصفات الخيرة اجتمعت في سماحته فما المانع أن توجد متفرقة في الأحياء.

 

 بقلم
خادم أهل العلم

محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل

صور من بعض خطابات سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله لخادم أهل العلم

Bookmark and Share
موقع خادم أهل العلم محمد بن عبدالرحمن آل إسماعيل © 2010 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | تسجيل الدخول
simple web counters